صديق الحسيني القنوجي البخاري

587

فتح البيان في مقاصد القرآن

ادْخُلُوها أي قيل لهم ادخلوها وقرىء على أنه فعل مبني للمفعول أي ادخلهم اللّه إياها ، وقد قيل إنهم إذا كانوا في جنات وعيون فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور فإن الأمر لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها ، وأجيب بأن المعنى إنهم لما صاروا في الجنات فإذا انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الانتقال إليها ادخلوها ، والقائل هو اللّه تعالى أو بعض ملائكته . بِسَلامٍ آمِنِينَ أي بسلامة من جميع الآفات وأمن من المخافات أو من زوال هذا النعيم أو مسلمين على بعضهم بعضا أو مسلما عليهم من الملائكة أو من اللّه عز وجل . وقال الضحاك : أمنوا الموت فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون . وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ هو الحقد والعداوة والشحناء والبغضاء والجسد وكل ذلك مذموم داخل في الغل لأنها كامنة في القلب ، وقد مر تفسيره في الأعراف ، وعن الحسن البصري عن عليّ : فينا واللّه أهل الجنة نزلت وعنه قال نزلت في ثلاثة أحياء من العرب بني هاشم وبني تميم وبني عدي ، وفي أبي بكر وعمر ، وعنه قال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة فيمن قال اللّه : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ وعن ابن عباس قال : نزلت في عشرة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ، وفي الباب روايات . إِخْواناً حال مقدرة قاله أبو البقاء يعني من فاعل ادخلوها ولا حاجة إليه بل هي حال مقارنة من ضمير صدورهم ، والمعنى حال كونهم إخوة في الدين بالتعاطف والمحبة والمودة والمخالطة ، وليس المراد منه إخوة النسب ، يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد وصاروا إخوانا حال كونهم عَلى سُرُرٍ من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدر والياقوت . قال أبو البقاء : يجوز أن يتعلق بنفس إخوانا لأنه بمعنى متصافين أي متصافين على سرر ، وفيه نظر من حيث تأويل جامد بمشتق بعيد منه والسرر جمع سرير ، وهو مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقيل هو المجلس العالي الرفيع المهيأ للسرور ومنه قولهم سر الوادي لأفضل موضع منه . مُتَقابِلِينَ أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض . قال مجاهد : لا يرى بعضهم قفا بعض ، وعن ابن عباس نحوه فإذا اجتمعوا وتلاقوا ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده ، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير ، وهذا أبلغ في الانس والاكرام .